محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

105

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

التفحّص التجريبي المباشر . ونلاحظ أيضا بداية البلورة للتمييز بين الوضع البشري العادي ( كتناول الطعام مثلا ، أو الذهاب إلى السوق ) وبين الوضع الأعلى غير الموصوف بدقة . والحقيقة هي أن العالم الخيالي / والعالم المحسوس الواقعي ، وكذلك التاريخ الأسطوري أو المقدس / والتاريخ الحدثي ، أو تاريخ الأحداث والوقائع ، كلها أشياء كانت لا تزال مختلطة أو غير متمايزة . فالمزدوجات الثنائية من نوع : فوق الطبيعة / طبيعة ، عجيب خارق للعادة / واقعي ، لا مادي / مادي ، هي أشياء مسلّم بها من قبل بنية الاحتجاج وموضوعه . ولكنها لا تزال أبعد ما تكون عن أن تشكل مقولات موجّهة للفكر . فظهور الملاك المنذر إلى جانب النبي ، وصعود النبي إلى السماء ، ورؤيته المباشرة للّه ، وقراءة كتاب نازل من السماء ، هي أشياء كان يطالب بها معاصر ومحمد وكأنها وقائع محسوسة يمكن لمسها باليد أو رؤيتها بالعين . ويمكنها أن تظهر في الحياة اليومية كما ينبثق نبع ماء من الأرض ، أو كما ينشأ بيت مليء بالزخارف . . . إلخ . فهناك اتصالية مستمرة للواقع . ينبغي أن نوسّع هذه القراءة لكي تشمل مجمل النصّ القرآني لكي نبيّن كيف أن كائنا واحدا أعظم ينفصل عن هذه الاتصالية المستمرة ، ويتعالى عليها ويعيد خلقها من دون توقف . ولكن على هذا المستوى من النصّ هناك إحلال للرؤيا الجديدة المبلورة من قبل الناطق أو المتكلّم محل الرؤيا القديمة . بقي علينا أن نحدّد بدقة إلى أي مدى تقطع فيه هذه الرؤيا الجديدة مع مجريات وآفاق الفكر الأسطوري كما كان يمارس ذاته في السياقات الاجتماعية - الثقافية المختلفة للشرق الأوسط القديم . ثم على العكس : إلى أي مدى يعتبر فيه هذا الفكر وكأنه استعيد في خطوطه الأساسية مجرد استعادة في اللغة العربية ؟ هذه هي نوعية الأسئلة التي ينبغي أن تطرح . وفي ذات الوقت ينبغي أن نستكشف التجلّيات الأولّية أو الجنينيّة ، ثم البذور الواعدة لما سوف يفرض نفسه لاحقا تحت اسم الفكر الواقعي ( كالعقلانية ، والتاريخ المحسوس ، والمعرفة الصحيحة للواقع ) . إن هذا التساؤل حول نمط الفكر الذي ولّد الخطاب القرآني والذي سيغدو لاحقا مستنبطا منه هو الآن ضروري جدا . نقول ذلك خصوصا وأن القراءات الإسقاطية والامتثالية التوافقية لا تزال تلقى نجاحا كبيرا في الأوساط العربية - الإسلامية « 1 » . بمعنى آخر ، إن ظاهرة الوحي لا تزال متجاهلة في بعديها التاريخي والأنتربولوجي من قبل جمهور المسلمين . بعض الركائز من أجل إعادة قراءة القرآن إنّ المشاكل التي لمسناها بالكاد لمسا خفيفا في الصفحات السابقة ، توحي لنا بحجم المهام الملقاة على عاتق الفكر الإسلامي النقدي . ولكن ينبغي علينا أن نرتب هذه المهام

--> ( 1 ) إن المثل الأحدث من حيث الزمن والأكثر دلالة على ذلك تقدمه لنا مؤلّفات الكاتب المصري د . مصطفى محمود . انظر : القرآن ، محاولة في فهم عصري ، بيروت ، الطبعة الثالثة ، 1973 .